فيما كانت المنطقة والعالم مشدوديْن إلى إطلاق واشنطن «أكبر هجوم اقتصادي على الإطلاق بهدف خنْق إيران وقطع ما تبقى من شرايينها المالية والتجارية»، بدت بيروت في وضعيةِ ترَقُّبٍ ثقيلٍ لسريان «الإنزال» الأميركي خلف خطوط «الخصم المُنْهَك» وكيفية تعاطي طهران مع هذا المعطى «الكاسِر» واحتمالاتِ تَشظيه لبنانياً.
ولم يكن عادياً أن يجد لبنان نفسه في «عيْنِ» اندفاعة واشنطن نحو تسديد ضربةٍ في ما بات بمثابة «كعب أخيل» إيران - وهو المسار الذي تضغط الولايات المتحدة على جميع الدول لأن «تَصعد إلى مركبه وإلا» - في ضوء الأبعاد الشديدة التعقيد لنزْع وزارة الخزانة الأميركية «لبنانية» حزب الله والارتقاء به على لوائح العقوبات (الخميس الماضي) إلى تَصنيفه «وكيلاً لإيران وليس كياناً مستقلاً» وعلى قاعدة «حيثياتٍ» ارتكزتْ على أنه أداة تنفيذية مباشرة للقيادة العسكرية الإيرانية وتحديداً «فيلق القدس».
وفيما كانت بيروت منهمكةً برصْد إذا كانت هناك حاجة لـ «تَحديث» إجراءاتها بما يَمنع استدراجَها إلى مرمى «النروماندي الاقتصادي» ضدّ إيران، لم يكن عابراً «الإنزال» الدبلوماسي - السياسي بوجه «الجمهورية الإسلامية» الذي قامت به «بلاد الأرز» على جبهة ما بات يُعرف بـ «أزمة السفير المتمرّد» محمد رضا شيباني، الذي اضطُر للتسليم بنزْع لبنان «النجوم الدبلوماسية» عنه في مارس الماضي وطلب تجديد إقامته التي انتهتْ، الاثنين، بصفة مدنية.
ورغم طابع «التسوية» الذي اكتسبه تجديد إقامة الشيباني، الذي يقيم منذ 29 مارس الماضي كـ «سفيرٍ بالإكراه»، بعدما سَحَبَ لبنان (في 24 مارس) الموافقة على اعتماده وأعلنتْه الخارجية «شخصاً غير مرغوب فيه» وطالبتْه بالمغادرة في غضون 5 أيام، فإنّ اضطرارَ طهران لاعتمادِ «بابٍ خلْفي» لإنهاء الوضع الذي تَحَوَّلَ إحراجاً لها، ورضوخها للواقع «المانِع» لأيّ إبقاءٍ على صفةٍ ديبلوماسيةٍ لممثّلها في «بلاد الأرز»، يَعكس بحسب أوساط سياسية نجاحَ بيروت في إدارة هذا الملف بما وازَنَ بين أمرين:
- «حماية» قرار رفْض اعتماد الشيباني سفيراً و«معاقبته» بالإبعاد على انتهاكِ «أعراف التعامل الدبلوماسي وأصوله المرعية».
- وبين عدم استجرار أزمةٍ مجانية مع إيران تَحرف الأنظارَ عن التصدي الذي يحصل لها في «الميدان الأمّ» الذي تشكله المفاوضات المباشرة مع تل أبيب التي ترعاها الولايات المتحدة، ولا ينْتهي بثبيتِ «السيادة الديلوماسية» عبر انتزاع قرار السلم من يد طهران.
وعُلم أن شيباني، تقدّم بطلبٍ للحصول على إقامة لدى المديرية العامة للأمن العام، وأنه بعد درس الطلب من الدائرة القانونية، مُنح «إقامة مجاملة»، صالحة لمدة ستة أشهر بصفته دبلوماسي سابق تولى منصب سفير بلاده في لبنان بين 2005 و2009 وليس بصفته سفيراً حالياً.
وفيما أعلن الأمن العام أن تجديد إقامة الشيباني، تمّت «بصفة مدنية»، فإن هذه الخطوة التي عُلم أنها حصلتْ بعد «تسوية» عُمل عليها بين الرؤساء جوزاف عون، نواف سلام ونبيه بري، لا تمنح «السفير السابق» اي حصانة دبلوماسية من أي نوعٍ، بل تؤكد أنه مواطن إيراني عادي في بيروت وغير خاضع لأي حماية خارج أسوار السفارة.
ووفق أوساط سياسية، فإنّ «المجاملة» التي تعاطى بها لبنان مع هذه الأزمة المتعددة الوجه، ورغم انطوائها على عناصر احتوائية «وتدوير» للمشكلة وتحديداً لجهة التغاضي عن صفة «الشخص غير المرغوب فيه» التي أرفق بها قرار إبعاده، والتي كانت توجب مغادرته فوراً، إلا أن جوهر المخرج كرّس أن بيروت رَفَضَتْ للمرة الأولى اعتماد سفير إيراني، ثم طلبتْ منه المغادرة، وثبّتت نزْع أي صفة ديبلوماسية عنه.
وعلى وقع ذلك، برز إعلان وزارة الخارجية الإيرانية أنّ الوزير عباس عراقجي، أشاد خلال استقباله نائب «حزب الله» حسن فضل الله، بـ «مقاومة الشعب اللبناني وصموده المشرف ضد العدوان الصهيوني»، مؤكداً «الدعم الشامل من الجمهورية الإسلامية الإيرانية للشعب اللبناني في الدفاع عن سلامة أراضي بلده وكرامته وسيادته الوطنية».
ولم تحجب هذه القضية الأنظارَ عن ملف التفاوض بين لبنان وإسرائيل والذي لم يَشهد بعد تحديد موعد الجولة الثامنة المرتقبة في سبتمبر في روما، وسط اعتقادٍ بأن حسم تاريخ انعقادها ينتظر أقلّه تفاهماً على آلية التحقق داخل «المناطق التجريبية» من انسحاب الجيش الإسرائيلي وسحب الجيش اللبناني سلاح «حزب الله» في كل منها، الى جانب بلورةٍ أعمق للمسار التسلسلي لهذه المناطق.
وثمة خشية لم تَعُد مكتومةً من أن تستغلّ إسرائيل «الفجوة» الماثلة في هذين البندين وتالياً الوقت الفاصل عن جولة المفاوضات المقبلة لإطلاق معركة القبض على تلة علي الطاهر والمنشأة الإستراتيجية للحزب الموجودة تحتها، التي باتتْ بحُكم المُحاصَرة وعلى حافة الإسقاط، وسط ملاحظة أن هناك مناخاتٍ بدأت تتحدّث عن «ما بعد» هذه الموقعة، في إشارةٍ إلى احتمالاتِ اتخاذ تل أبيب السيطرة المرجّحة عليها للتمدد أكثر نحو اقليم التفاح والبقاع الغربي.
وفي وقت نقلت «سكاي نيوز عربية» عن مصدر أمني لبناني أن ثمة «سيناريوين أمام مصير مرتفعات علي الطاهر، فإما أن يتسلمها الجيش اللبناني من الحزب (يرفض ذلك) أو أن تشن إسرائيل معركة عسكرية للسيطرة عليها»، أبلغ مصدر إسرائيلي الى قناة «العربية» أن «اتفاق الإطار مع لبنان يرسم مساراً نحو السلام والاستقرار عبر نزع سلاح الحزب».



