شهدت خشبة مسرح نادي السالمية مساء أول من أمس تظاهرة فنية وثقافية استثنائية، تمثلت في العرض المسرحي المرتقب «يا حبيبي لا تقولي ولا أقولك.. الوعد بالسكة»، بحضور حاشد وضخم من نخبة الفنانين، النقاد، والإعلاميين. العرض الذي صاغ رؤيته الإخراجية بذكاء لافت الفنان محمد الحملي.
الحدث الأبرز الذي ارتكزت عليه القيمة الدرامية للعرض هو الجمع التاريخي بين النجمين، عبدالعزيز المسلم وطارق العلي، بعد غياب ممتد لقرابة 38 عاما منذ لقائهما في «هالو بانكوك» (1988) استدعاء الشخصيات الأيقونية «شليويح» و«عبيد» لم يسقط في فخ البكاء على أطلال الماضي، بل أعيد تدويرهما باقتدار ليواكبا قضايا الراهن
الرهان الأكبر كان على مدى قدرة طارق العلي وعبدالعزيز المسلم على قيادة هذا الفضاء المسرحي الضيق وغير المألوف، وجاءت النتيجة لتؤكد ريادتهما التاريخية من خلال استعادة شخصيتي «شليويح» و«عبيد» بروح معاصرة ولعل طارق العلي هو المستفيد الأكبر من هذا التصميم الهندسي للمسرح، فأسلوبه القائم على «الكوميديا التفاعلية» والارتجال وجد بيئة مثالية المسافة القريبة جدا من الحضور (خاصة النجوم والإعلاميين في الصفوف الأولى) أعطت العلي مادة خصبة للارتجال الفوري وإلقاء الإفيهات المباشرة بناء على ردود فعل وتعبيرات وجوه الحاضرين لم يستقر العلي في مكان واحد، بل كان يوزع طاقته الكوميدية يمينا ويسارا.
وبرزت قوة المسلم في استخدام تعبيرات الوجه ونبرة الصوت المميزة لشخصية عبيد فالقرب من الجمهور جعل الابتسامة، والدهشة، والنظرة المترددة التي يشتهر بها تصل بقوة وبدون مبالغة تذكر.
وروعة أداء المسلم تجلت في «التسليم والتسلم» بينه وبين العلي، فبينما يندفع شليويح بالارتجال، يمتص عبيد الصدمة بذكاء ويعيد توجيه المشهد نحو النص والأحداث الجديدة، مما خلق توليفة متكاملة جمعت بين الاندفاع المدروس والرصانة الكوميدية بعد غياب 38 عاما.
خاطر المخرج محمد الحملي بنقل العرض من الهيكل التقليدي للعلبة الإيطالية إلى فضاء مغاير تماما، مصمما الخشبة على هيئة ممر طولي (قاعة عرض أزياء - Runway) يحيط به الجمهور من الجانبين وجها لوجه، هذا التحول الهندسي فرض شروطا قاسية وصارمة على الأداء، فالممثل أصبح مكشوفا بزاوية 360 درجة، ومجردا من «المساحة الخلفية الآمنة» هذا النمط السينوغرافي حول الجمهور إلى جزء حيوي من الديكور البشري، وأجبر الممثلين على ديناميكية حركية مستمرة، انعكست إيجابا على اللوحات الاستعراضية الراقصة التي وظفت بحرفية عالية لكسر جمود السرد الكلاسيكي وتوليد تدفق بصري سريع الإيقاع
الحملي صدم الجمهور إيجابيا بإطلالته وتقمصه المتقن لشخصية «تركي» (ابن شليويح)، فقد قدم هذا الكاركتر بأسلوب إنساني كوميدي ممتع وجميل جدا.
إلى جانب توهج الحملي، شكل الفنانان عبدالله الخضر وعبدالمحسن العمر القوة الضاربة والعمود الفقري لإيقاع المسرحية فالخضر قدم درسا في المرونة التعبيرية وتلون الكراكترات، من خلال التحول السريع والرشيق بين شخصيات متعددة طوال العرض بتبدل الأزياء ونبرات الصوت.
أما عبدالمحسن العمر فكان ميزان العمل، حيث اتسم أداؤه بالانضباط والذكاء الحاد في إدارة المواقف، ليشكل حلقة الوصل الدرامية التي منعت تشتت الحوارات الكوميدية وسط التدفق العالي لقفشات النجوم.
عزل الهواتف
لعل القرار الأكثر جرأة ومحورية في هذه التجربة هو إصرار المخرج محمد الحملي على حظر استخدام الهواتف الذكية وتغطية كاميراتها بالكامل للجمهور داخل الصالة، هذا الإجراء حرر المسرح من أسر «الرقمية الزائفة» وحقق انعكاسين بالغي الأهمية: على الجمهور: أجبر الحضور على الانغماس الكلي والعيش في اللحظة المسرحية بكافة حواسهم، مستمتعين بحصرية الحدث بعيدا عن هوس التصوير ومشاركة المقاطع في السوشيال ميديا.
ختاما، نجحت مسرحية «يا حبيبي لا تقولي ولا أقولك.. الوعد بالسكة» في تقديم صياغة عصرية لنوستالجيا الثمانينات أثبت العمل أن المسرح الكويتي ولاد وقادر على قيادة الطليعية والتجريب متى ما توفرت الرؤية الإنتاجية الشجاعة والوعي الإخراجي، ليبقى هذا العرض علامة فارقة في سجل المسرح الخليجي الحديث.
المسلم والعلي.. عودة «عبيد وشليويح» تفجر الضحك في «الوعد بالسكة»

✨ اسأل هاشتاقات AI
اطرح سؤالاً ويجيبك من الخبر وسياقه.
المصدر: الانباء
نشرها: Q8hashtagat·تحرير: هيئة تحرير هاشتاقات


