إلى جانب خطر عودة الضربات الأميركية، تدخل إيران مرحلة شديدة الحساسية على جبهتها الداخلية، في ظل مؤشرات على تفاقم الانهيار الاقتصادي وتصاعد الضغوط المعيشية والاجتماعية، بما يعيد إلى الواجهة احتمال تجدد الاحتجاجات.
ويواصل الريال الإيراني انهياره أمام العملات الصعبة، متجاوزاً حاجز 2.7 مليون ريال للدولار الواحد، في سقوط حاد أفقد العملة أكثر من 85 في المئة من قيمتها خلال أقل من عام، وفق المعطيات المتداولة في السوق.
ولم تنجح محاولات الحكومة في تهدئة سوق الصرف، بل بدا أن بعض إجراءاتها جاءت بنتائج عكسية. فالإجراء الذي بدأ المصرف المركزي تطبيقه السبت الماضي، والقاضي بإتاحة 10 آلاف دولار لكل مواطن يزيد عمره على 18 عاماً، لم ينجح في كبح الطلب على العملة الصعبة، في ظل القيود والشروط التي رافقت عملية البيع والآلية التي وضعتها السلطات لتنفيذها.
وفي مواجهة تشديد الرقابة الأمنية على سوق الصرف غير الرسمية، تحدى المواطنون الإجراءات المفروضة وتواصلوا مع الصرافين للعثور على الدولار، فيما اتجه آخرون إلى أسواق الذهب باعتبارها ملاذاً لحماية مدخراتهم من الانهيار المتسارع للريال.
ورغم تهديد السلطات باعتقال المتعاملين بالعملات الأجنبية ومصادرة الأموال، انتقلت عمليات البيع والشراء إلى قنوات أكثر سرية؛ إذ بدأ مواطنون ينسقون مع الصرافين الذين يتعاملون معهم لتسليم الأموال في أماكن آمنة، بعيداً عن المواقع المعروفة والمكشوفة التي باتت تحت الرقابة الأمنية.
دولار بشروط... والهدف الحد من الطلب
وفي الوقت نفسه، يبدو أن المصرف المركزي لا يدفع فقط باتجاه زيادة عرض العملة الصعبة، بل يسعى أيضاً إلى **الحد من الطلب عليها عبر سلسلة من القيود التي تجعل شراء الدولار عملية مكلفة ومحفوفة بالتبعات.
فأي مواطن يشتري العملة الصعبة يُدرج اسمه على قوائم مصلحة الضرائب، ويصبح مطالباً بدفع ضرائب على فروقات سعر الصرف كلما ارتفعت قيمة العملة التي اشتراها، تحت ذريعة مكافحة المضاربة وتحقيق الأرباح من تقلبات السوق. كما يواجه خطر فقدان الاستفادة من برامج الدعم الحكومي المخصصة للسلع والبضائع الأساسية.
وتكشف هذه الآلية عن مفارقة واضحة، الدولة تعرض الدولار على المواطنين، لكنها في الوقت نفسه تضع أمامهم كلفة وضوابط قد تدفعهم إلى التردد في شرائه، الأمر الذي يفسر جزئياً استمرار نشاط السوق غير الرسمية رغم الإجراءات الحكومية.
سعر الدولار يتحول إلى أداة لتمويل العجز
وتتضح المفارقة أكثر عند مقارنة سعر الصرف المعتمد في الموازنة الرسمية بالسعر الذي يسعى المصرف المركزي إلى البيع على أساسه.
ففي حين ينص قانون الموازنة على سعر للدولار يبلغ نحو 790 ألف ريال، يسعى المصرف المركزي إلى بيع الدولار بسعر يصل إلى 2.5 مليون ريال، مع إضافة الضرائب والرسوم الحكومية، ما يرفع العائد الذي تحصل عليه الدولة من كل دولار إلى مستويات تقارب أربعة أضعاف السعر المعتمد في الموازنة.
وبذلك لا يصبح رفع سعر الصرف مجرد محاولة لمواكبة واقع السوق، بل يتحول أيضاً إلى أداة لزيادة الإيرادات بالريال وتمويل جزء من العجز في المدفوعات، من خلال الحصول على عدد أكبر من الريالات مقابل كل وحدة من العملة الصعبة.
لكن هذه السياسة تنقل في المقابل جزءاً من كلفة العجز المالي إلى المواطنين، الذين يدفعون ثمن انخفاض قيمة العملة عبر ارتفاع أسعار السلع والخدمات وتآكل القوة الشرائية.
همتي: «سياسة روبن هودية»
وفي مواجهة الانتقادات المتصاعدة لرئيس المصرف المركزي عبد الناصر همتي، بسبب سياسة رفع سعر صرف العملات الصعبة وتحميل المواطنين جانباً من كلفة معالجة عجز الموازنة، يدافع همتي في أوساطه الخاصة عن هذه المقاربة بوصفها «سياسة روبن هودية».
وبحسب منطق همتي، فإن الدولة تأخذ جزءاً من الأموال من الفئات الأكثر ثراءً، التي تملك القدرة على شراء الدولار والاحتفاظ به، وتعيد توزيعها على الفئات الأقل دخلاً، التي لا تملك أصلاً القدرة على الدخول إلى سوق العملات الصعبة.
غير أن هذه المقاربة تواجه معضلة أساسية، فالانخفاض الحاد في قيمة الريال لا يستنزف فقط مدخرات حائزي العملات الأجنبية، بل يفرض كلفته على عموم الإيرانيين من خلال التضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية، بما فيها تلك التي يعتمد توفيرها على الواردات أو على مدخلات مستوردة.


