من أبرز التحولات التي يشهدها قطاع الطاقة عالمياً مروراً بقضايا أمن الإمدادات والاستدامة وصولاً للابتكار والتقنيات الحديثة، احتضنت الرياض اليوم الاثنين أعمال النسخة الـ 25 من مؤتمر البترول العالمي، للمرة الأولى في تاريخ المملكة، تحت شعار «مسارات نحو مستقبل طاقة للجميع».
وانعقد المؤتمر بمشاركة وزراء طاقة ومئات من الرؤساء التنفيذيين وكبار المسؤولين وصناع السياسات والخبراء من مختلف أنحاء العالم، ليشكل مع ذلك منصة دولية لمناقشة قضايا الطاقة وضغوطها، ما يعزّز مكانة السعودية كمركز عالمي للحوار حول مستقبل الطاقة وأمنها.
وبهذه المناسبة، أكد وزير الطاقة وزير الصناعة والثروة المعدنية الأمير عبدالعزيز بن سلمان، أن السعودية واجهت عبر تاريخها تحديات كبيرة، لكنها أثبتت دائماً قدرتها على تجاوزها بعزيمة وإصرار، مؤكداً أن الخوف ليس له مكان في المعجم السعودي، وأن المملكة ماضية في تنفيذ مستهدفات رؤية 2030 وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً للأجيال القادمة.
وأضاف أن السعودية تمثل نموذجاً استثنائياً في التحول الاقتصادي والتنموي السريع، مشيراً إلى أنه لا يعرف دولة أخرى حققت هذا القدر من التحول خلال فترة زمنية قصيرة كما فعلت المملكة، الأمر الذي يضع على عاتقها مسؤولية مواصلة العمل لضمان مستقبل أفضل للأبناء والأحفاد.
وأكد بن سلمان، أن استضافة الرياض للحدث العالمي تعكس مكانتها باعتبارها «عاصمة أمن الطاقة»، مشيراً إلى أن حضور كبار المسؤولين والخبراء من مختلف أنحاء العالم دليل على الثقة الدولية التي تحظى بها المملكة، وقدرتها على ضمان أمن وسلامة ضيوفها حتى في ظل الظروف والتحديات الإقليمية الراهنة.
وأضاف أن خط أنابيب «الشرق – الغرب» تتجاوز قيمته الإستراتيجية الظروف التي نعيشها اليوم.
وبين أن السعودية تمضي في تعزيز أمن إمدادات الطاقة العالمية عبر توسيع مسارات نقل النفط البديلة، كاشفاً عن خطط لرفع الطاقة الاستيعابية لخطوط الأنابيب إلى نحو 10 ملايين برميل يومياً خلال العامين إلى الأعوام الثلاثة المقبلة.
ولفت إلى بلوغ هذا الهدف يمثل مثالاً بارزاً على الرؤية الإستراتيجية طويلة المدى للمملكة، ويعزز قدرة السعودية على تزويد الأسواق العالمية بالطاقة حتى في الظروف الاستثنائية.
وأوضح بن سلمان أن انعقاد المؤتمر يأتي في وقت تزداد فيه أهمية الحوار والتعاون الدولي، مبيناً أن المخاطر التي تواجه منظومة الطاقة العالمية لم تنتهِ، بل تتطلب مزيداً من العمل المشترك والمسؤولية الجماعية للحفاظ على أمن الإمدادات واستقرار الأسواق.
وقال الوزير إن المملكة اختبرت خلال الفترة الأخيرة متانة بنيتها التحتية وكفاءة مؤسساتها وقدرتها على الاستجابة السريعة للمتغيرات، لافتاً إلى أن ما تحقق من مرونة لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة عقود من الاستثمار في البنية التحتية وشبكات النقل وسلاسل الإمداد وتنمية الكوادر البشرية.
وأوضح أن سرعة استعادة العمليات التشغيلية عند تعرضها للمخاطر هي حصيلة التخطيط والاستثمار والخبرات المتراكمة، وفي مقدمتها الخبرات التي تمتلكها أرامكو السعودية. وأكد بن سلمان أن المرونة لا تقتصر على البنية التحتية فحسب، بل تشمل بناء قاعدة صناعية وطنية قوية وسلاسل إمداد محلية قادرة على دعم قطاع الطاقة في مختلف الظروف، مشيراً إلى أن برامج التوطين التي أطلقتها المملكة، مثل «اكتفاء» و«نساند» ومبادرات وزارة الطاقة لتوطين الصناعات المرتبطة بالطاقة، أسهمت في تعزيز المحتوى المحلي وتطوير القدرات الوطنية.
وأشار الوزير إلى أن «أرامكو» أعلنت تحقيق 70 في المئة من المحتوى المحلي في مشترياتها من السلع والخدمات، ما يعكس نجاح جهود المملكة في بناء منظومة صناعية متكاملة قادرة على دعم أمن الطاقة وتعزيز الاستجابة للأزمات.
وأوضح أن العنصر البشري يبقى الركيزة الأهم في تحقيق المرونة التشغيلية، مؤكداً أن خطوط الأنابيب ومحطات الطاقة لا تستعيد عملها تلقائياً، بل تعتمد على الكفاءات الوطنية والخبرات الفنية والهندسية القادرة على التعامل مع التحديات وإعادة التشغيل وضمان استمرارية الإمدادات.
وقال بن سلمان إن قوة المملكة الإستراتيجية لا تستند فقط إلى مواردها الطبيعية، بل إلى ما تمتلكه من خبرات ومعرفة وكفاءات بشرية وإرادة راسخة، مشيراً إلى أن مرونة قطاع الطاقة السعودي تنعكس إيجاباً على موثوقية إمدادات الطاقة العالمية، وتصب فوائدها في خدمة الاقتصاد العالمي والصناعة والمستهلكين حول العالم.
وأضاف أن تحقيق مستقبل للطاقة للجميع لا يمكن أن يتم دون تحقيق أمن الطاقة للجميع، مؤكداً أن أمن الإمدادات والانتقال المنظم والواقعي للطاقة يجب أن يسيرا جنباً إلى جنب، مع مراعاة اختلاف ظروف الدول ومواردها واحتياجاتها التنموية.
وأكد بن سلمان أن المملكة ستواصل الاستثمار في جميع مصادر الطاقة الموثوقة، إلى جانب التوسع في الطاقة المتجددة وشبكات الكهرباء والتخزين والغاز والبنية التحتية، كما ستواصل تطوير تقنيات خفض الانبعاثات وتعزيز الصناعات المحلية وسلاسل الإمداد الوطنية والاستثمار في رأس المال البشري.
وأشار الوزير إلى أن الأحداث الأخيرة أثبتت أهمية الاستعداد المسبق وبناء القدرات قبل وقوع الأزمات، موضحاً أن الرؤية الواضحة وحدها لا تكفي، بل يجب أن تترافق مع التخطيط المسبق وتطوير الحلول والجاهزية المؤسسية والقدرة على الاستجابة السريعة للمتغيرات.
وشدد على أن المملكة ملتزمة التزاماً راسخاً بتحقيق مستهدفات رؤية 2030، ومواصلة الاستثمار في قطاع الطاقة والبنية الصناعية وتعزيز ازدهار المواطنين وتطوير الشراكات الدولية، مؤكداً أن هذه الالتزامات لن تتأثر بالتحديات الراهنة.
ودعا الوزير إلى تعزيز التعاون الدولي والاستثمارات المستدامة وبناء شراكات عملية تدعم أمن الطاقة واستدامتها، مؤكداً أن العالم يحتاج إلى أنظمة أكثر مرونة وشركاء موثوقين وقادة يتخذون قرارات طويلة الأجل، ومشدداً على أن السعودية ستواصل أداء دورها العالمي بمسؤولية وحكمة وانفتاح لبناء مستقبل طاقة آمن ومستدام ومتاح للجميع.


