محمد مهلهل الياسين: ليس كل ما لا يعجبنا خطأ! قراءة قانونية في واقعنا الكويتي

في خضم النقاشات اليومية التي تعج بها وسائل التواصل الاجتماعي، وفي زوايا المجالس والحوارات العامة، بات من السهل الخلط بين الرأي والحقيقة، وبين ما لا يعجبنا وما هو خطأ فعليا. فليس كل قرار لا يرضينا يعني أنه ظالم، وليس كل إجراء لا ينسجم مع أهوائنا دليلا على فساده. هذه الإشكالية أصبحت ملمحا واضحا في واقعنا الكويتي، وأسهمت بشكل أو بآخر في تشويش الوعي العام وإضعاف النقاش الجاد.
لقد اعتادت الكويت، بحكم تجربتها السياسية والدستورية، على مساحة واسعة من حرية التعبير، وهي ميزة تحسب لا تنتقص. غير أن الخلل يبدأ حين تتحول هذه الحرية إلى أحكام انفعالية تدار بالمزاج لا بالمعايير، وبالعاطفة لا بالوقائع. عندها يصبح أي قرار إصلاحي لا يحقق مصلحة فئة معينة «خطأ»، وأي إجراء قانوني يمس شخصا أو تيارا «استهدافا».
وفي واقعنا اليوم، يتجلى هذا الخلط بوضوح عند الحديث عن المحاسبة وتطبيق القانون. فحين تطال الإجراءات شخصا بعيدا عن دوائرنا، نصفق لها ونطالب بالمزيد، لكن حين تقترب من دائرة المصالح أو العلاقات، يتغير الخطاب فجأة، وترفع شعارات التشكيك والتخوين. هنا لا يكون الاعتراض دفاعا عن مبدأ، بل رفضا لنتيجة لم تعجبنا.
الدستور الكويتي وضع معيارا واضحا لا يحتمل التأويل أو الانتقائية: سيادة القانون والمساواة أمامه. فقد نصّت المادة (6) على أن:
«نظام الحكم في الكويت ديمقراطي، السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعًا».
وهذه السيادة لا تمارس بالهوى أو الانطباع، بل عبر مؤسسات وقوانين تطبق على الجميع دون استثناء. كما أكدت المادة (26) أن:
«الوظائف العامة خدمة وطنية، تناط بالقائمين بها، ويستهدف الموظفون في أداء وظائفهم المصلحة العامة».
فالمعيار هنا هو المصلحة العامة، لا الرضا الشخصي. أما المادة (50) فقد أرست قاعدة الفصل والتوازن بين السلطات، بما يمنع تسييس القرارات أو مصادرتها بالرأي العام، حين نصّت على:
«يقوم نظام الحكم على أساس فصل السلطات مع تعاونها وفقًا لأحكام الدستور».
وعند الحديث عن المال العام، جاء النص حاسمًا في المادة (17):
«للأموال العامة حرمة، وحمايتها واجب على كل مواطن».
من هذا المنطلق، فإن تقييم أي خطوة إصلاحية يجب أن يبنى على أسئلة جوهرية:
- هل التزمت بالقانون؟
- هل حافظت على المال العام؟
- هل حققت العدالة؟
لا على سؤال سطحي:
- هل أعجبتني أم لا؟
فقهاء القانون رسّخوا هذا المبدأ منذ زمن. يقول مونتسكيو:
«لا توجد حرية إذا لم تكن السلطة مقيّدة بالقانون».
ويؤكد الفقيه الدستوري عبدالرزاق السنهوري أن:
«الدولة القانونية لا تقاس بنوايا حكامها، بل بمدى خضوعهم للقانون».
إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس اختلاف الآراء، بل تقديس الرأي الشخصي وتحويله إلى حقيقة مطلقة. هذا السلوك يضعف الثقة بالمؤسسات، ويربك مسار الإصلاح، ويمنح الفاسد فرصة للاختباء خلف ضجيج الآراء والانفعالات.
الكويت بحاجة إلى نقاش عقلاني ناضج يفرّق بين النقد الموضوعي والاعتراض الانفعالي، وبين الدفاع عن المبدأ والدفاع عن المصلحة. فالإصلاح الحقيقي قد لا يعجب البعض في بداياته، لكنه وحده الكفيل بإعادة الأمور إلى نصابها، وحماية الدولة، وصون المال العام، وترسيخ دولة القانون.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة ثابتة مهما ارتفع الصوت:
ليس كل ما لا يعجبنا خطأ، كما أن الحق لا يُقاس بالهوى، بل بالمعيار والدستور.
من يحترم الوطن عليه يحترم القانون، حفظ الله الكويت









