في بعض الشخصيات، لا يكون الاسم هو الحكاية، بل تكون الحكاية فيما يضيفه صاحبه إلى الاسم. فالعراقة، مهما اتسعت جذورها، لا تكتمل إلا حين تجد في حاضرها من يحملها بوعي، ويمنحها امتدادًا جديدًا يليق بها.
ومن هذه الزاوية تبدو تجربة الشيخة منى فلاح مالك الصباح جديرة بالقراءة؛ لأنها لا تقف عند حدود الاسم، ولا تختصرها مهنة، بل تتشكل من مسارٍ متعدد الملامح، تلتقي فيه المعرفة بالتجربة، والقانون بالفكر، والعمل بالكتابة.
كان القانون خيارها المهني الأول. درسته، ومارست المحاماة، وأسست مكتبها الخاص، ثم انتقلت إلى العمل في القطاع الحكومي، حاملةً معها خبرةً صنعتها الممارسة قبل أن تصنعها المناصب.
وفي هذا المسار، لم تكن التفاصيل هامشًا؛ بل كانت جزءًا من تكوين شخصيةٍ اعتادت أن تنظر إلى المسائل بعمق، وأن تبحث في خلفياتها، وأن تقرأ ما بين السطور قبل أن تصل إلى الحكم عليها.
وربما لهذا السبب لم تأتِ الكتابة إلى حياتها باعتبارها تحولًا مفاجئًا، وإنما بدت أقرب إلى صوتٍ كان يتشكل في الداخل منذ سنوات.
فخلف المهنة التي تتطلب الدقة والحسم، كانت هناك مساحة أخرى أكثر هدوءًا؛ مساحة تتراكم فيها الأسئلة، وتبقى فيها مشاهد الحياة والتحولات العربية حاضرةً في الذاكرة، حتى تجد طريقها في النهاية إلى الورق.
وهنا تحديدًا تكمن خصوصية التجربة. فالكتابة تمنح ما لا تمنحه المهنة دائمًا: حرية الاقتراب من الإنسان بعيدًا عن الملفات والعناوين، والنظر إلى التجربة لا باعتبارها واقعةً تحتاج إلى حكم، بل حكايةً تحتاج إلى فهم.
وإذا كان القانون قد درّبها على دقة القراءة، فإن الأدب يفتح أمامها مجالًا آخر لقراءة ما هو أبعد من النص؛ قراءة المشاعر، والهواجس، والتحولات، وما يتركه الزمن في الإنسان من أثر.إنها مساحة جديدة، لكنها ليست غريبة عنها.أما العراقة التي يحملها اسمها، فلا تبدو في تجربتها امتيازًا يُستند إليه بقدر ما تبدو مسؤوليةً تفرض على صاحبها أن يكون جديرًا بما يحمله.
فالأسماء الكبيرة لا تمنح أصحابها نهاية الطريق؛ إنها تضع أمامهم سؤالًا أصعب: ماذا أضفت؟وهذا السؤال تحديدًا يبدو حاضرًا في مسيرتها؛ في اختيارها للعلم، وفي تجربتها المهنية، وفي انتقالها إلى الكتابة، وفي رغبتها في أن يكون لها صوتها الخاص الذي لا يستعير قيمته من الاسم، وإنما يبنيها من التجربة.
واليوم، تقترب الشيخة منى فلاح مالك الصباح من محطة مختلفة، مع عمل أدبي يستعد للظهور، ليكشف للقارئ وجهًا آخر لشخصيةٍ عرفها من خلال مسارها القانوني والمهني. وليس من الضروري أن نعرف مسبقًا كل ما تحمله الصفحات؛ فبعض التجارب يكون أجمل حين نترك لصاحبها أن يكشفها في توقيته، وباللغة التي اختارها لها.
وربما تكون هذه هي القيمة الحقيقية لهذه الخطوة: أنها لا تضيف مجرد عنوان جديد إلى سيرتها، وإنما تفتح بابًا إلى منطقة لم تكن ظاهرة بالقدر نفسه؛ منطقة الصوت الشخصي، والتأمل، والذاكرة، والأسئلة التي لا تجد مكانها في السيرة المهنية.من القانون إلى الكتابة، لا تبدو المسافة بعيدة كما قد يُخيّل.
ففي الحالتين هناك بحث عن الحقيقة، واحتفاء بالتفاصيل، ومحاولة لفهم الإنسان؛ غير أن لكل مجال لغته، ولكل تجربة بابها.والشيخة منى فلاح مالك الصباح اختارت أن تفتح بابًا جديدًا، لا لتغادر ما صنعته، بل لتضيف إليه.
وهنا تصبح العراقة أكثر من ماضٍ يُحفظ؛ تصبح حاضرًا يُبنى، وقيمةً تُصان، وإضافةً تُترك لمن يأتي بعدنا.فليس المهم أن يحمل الإنسان اسمًا كبيرًا، بل أن يجعل حضوره جديرًا به.



