تواجه تكنولوجيا الفضاء مشكلةً هائلةً تتعلق بالبيانات. وتقضي العديد من الأقمار الاصطناعية التي تدور حول الأرض معظم وقتها في جمع بيانات خام، إلا أن إرسال هذه البيانات إلى الأرض يواجه عقبات تتمثل في محدودية النطاق الترددي للوصلة الهابطة (downlink) وتواتر فترات الاتصال المتاحة بين القمر الاصطناعي ومحطات الاستقبال.
ويتمثل أحد الحلول المحتملة لهذه المشكلة في معالجة البيانات الخام مباشرةً على متن القمر الاصطناعي نفسه، بحسب ما أورده موقع "sciencealert" العلمي.
وفي هذا السياق، نجح فريق من علماء الفيزياء - بقيادة فيليب والتر من جامعة فيينا - في إثبات جدوى طريقة جريئة لتحقيق ذلك.
إذ تم تشغيل معالج كمي في الفضاء للمرة الأولى على الإطلاق. غير أن الوصول إلى هذه المرحلة لم يكن بالأمر السهل.
وتُعد الحواسيب الكمومية أنظمةً بالغة الحساسية والدقة. فالحالات الكمومية التي تعتمد عليها هذه الحواسيب شديدة الحساسية تجاه البيئة المحيطة.
ويمكن للحرارة والاهتزازات والتداخل الكهرومغناطيسي وغيرها من الاضطرابات أن تعطل تلك الحالات، مما يؤدي إلى حدوث أخطاء أو القضاء على السلوك الكمومي اللازم لعمل الحاسوب.
ويعدّ تحقيق ذلك أمراً صعباً للغاية، حتى في ظل أكثر الظروف المختبرية مثاليةً ونقاءً؛ وكما قد تتخيل، فإن الفضاء يمثل بيئةً قاسيةً للغاية ولا تتيح مجالاً للخطأ.
ويستخدم المعالج الذي طوره "والتر" وزملاؤه جسيمات الضوء -أي الفوتونات- لنقل المعلومات الكمومية.
ويتمحور النظام حول مصدر يولّد الفوتونات في هيئة أزواج ويوجهها إلى شبكة قابلة للبرمجة من المسارات الضوئية المحفورة على شريحة زجاجية متناهية الصغر.
ولكي يتمكن المعالج من استغلال سلوكها الكمي، يجب أن تكون تلك الفوتونات متطابقة تماماً بحيث يتعذر التمييز بينها؛ إذ إن أي اختلافات -وإن كانت طفيفة- في خصائص مثل زمن الوصول أو الاستقطاب أو الطول الموجي قد تتيح التمييز بينها، مما يفسد ظاهرة التداخل التي تعتمد عليها العملية الحسابية.
وكان لا بد من إنجاز هذه المهمة على متن قمر صناعي يندفع حول الأرض بسرعة 28 ألف كيلومتر (17,400 ميل) في الساعة، متعرضاً لأشعة الشمس القاسية غير المفلترة، وذلك بعد اجتياز الضغوط الميكانيكية الهائلة المصاحبة لعملية الإطلاق الصاروخي.
يذكر أنه تم إرسال الحاسوب الكمي، في 23 يونيو/ حزيران 2025، على متن صاروخ "فالكون 9"، إلى مدار أرضي منخفض على ارتفاع يبلغ حوالي 510 كيلومترات.
ورغم عدة عقبات تمثلت في تعطل نصف كاشفات الضوء، والتداخل الشديد لأشعة الشمس والإشعاعات الفضائية، وتراجع طاقة الليزر - نجح الفريق في التغلب عليها ورصد ظاهرة التداخل الكمومي (Hong-Ou-Mandel dip) بنجاح.
وتُعد هذه التجربة الفريدة الخطوة الأولى نحو بناء حواسيب كمومية فضائية قادرة على ضغط البيانات وتصنيفها في المدار قبل إرسالها إلى الأرض.



