السبت، 10 أكتوبر 202629 ربيع الآخر 1448 هـالصلاة القادمةالعشاء 6:40 م38°صحو30° / 41°
صحيفة إلكترونية كويتية شاملة مستقلة
عاجل
المباريات
…

ناديا كعوش: أكتوبر الوردي و روايات النساء

ناديا كعوش: أكتوبر الوردي و روايات النساء

في كل عام يأتي شهر أكتوبر مرتديا اللون الوردي، فتزدحم الصحف والمنصات الإلكترونية برسائل التوعية بسرطان الثدي. لون جميل يحمل قضية موجعة، ويذكّرنا بأن وراء كل شريط وردي امرأة لها اسم وحياة وذكريات وأحلام وربما حكاية لم تجد من يرويها بعد.

ومن خلال تأملاتي في هذه الحملة السنوية، كثيرا ما يتبادر إلى ذهني السؤال ذاته، "ما الذي يستطيع الأدب أن يقدمه لامرأة تواجه مرضا يهدد حياتها ويغيّر علاقتها بجسدها وبالعالم من حولها؟". 

للطب لغته التي تتحدث عن الفحوصات والتشخيص والعلاج ونسب الشفاء، وللأدب لغة أخرى تقترب من الإنسان في أكثر لحظاته هشاشة، فهو يدخل إلى تلك المساحة التي يصعب قياسها بالأجهزة، حيث يسكن الخوف والانتظار والقلق، وحيث يمكن لكلمة صغيرة أن تمنح صاحبها شيئا من الطمأنينة.

وقد أدركت الشاعرة والكاتبة الأمريكية أودري لورد هذه العلاقة حين كتبت "يوميات السرطان" عام 1980، مستعيدة تجربتها مع سرطان الثدي واستئصال أحد ثدييها. في صفحاتها نقرأ صوت امرأة تحاول فهم ما جرى لجسدها، وتواجه نظرة المجتمع إلى المرض والأنوثة. كانت الكتابة بالنسبة إليها وسيلة لاستعادة صوتها، والتعبير عن مشاعر يصعب أحيانا الحديث عنها أمام الآخرين.فتتجلى هنا إحدى أجمل وظائف الأدب، قدرته على منح التجارب الفردية حياة تتجاوز أصحابها. قد تقرأ امرأة كلمات كُتبت قبل عقود في بلد بعيد وتشعر بأن هناك من يفهم خوفها الذي تعجز عن شرحه لأقرب الناس إليها.

أتخيل امرأة تجلس على مقاعد الانتظار، تحمل نتائج فحوصاتها، وتراقب وجوه النساء حولها، لكل واحدة منهن قصة مختلفة، إحداهن تفكر في أطفالها، وأخرى تتذكر أمها التي مرت بالتجربة نفسها، وثالثة تخشى أن تتغير صورتها أمام المرآة. هذه التفاصيل الصغيرة هي المادة التي يصنع منها الأدب عالمه الإنساني.

ولعل ما نحتاج إليه في أكتوبر الوردي هو أن نتيح لهذه الحكايات مساحة أكبر، أن نقرأ شهادات النساء ونستمع إلى تجاربهن، ونشجع الكتابة التي تتناول المرض بحساسية وصدق بعيدا عن المبالغة في تصوير البطولة أو اختزال التجربة في الألم، فالمرأة التي تواجه السرطان قد تكون شجاعة في يوم، وخائفة في يوم آخر، وقد تضحك وسط تعبها أو تبكي لأسباب تبدو بسيطة، ومن حقها أن تعيش جميع هذه المشاعر دون أن تُطالب بالقوة طوال الوقت.

وتكتسب الحملات التوعوية قيمتها الحقيقية حين تدفعنا إلى الاهتمام بصحتنا، ومعرفة التغيرات التي تستدعي استشارة الطبيب، والالتزام بالفحوص المناسبة وفق العمر وعوامل الخطورة والتوصيات الطبية. ويستطيع الأدب أن يرافق هذا الوعي بأن يجعلنا أكثر انتباها إلى ما تعيشه النساء خلال التشخيص والعلاج والتعافي. ربما يستطيع العلم أن يخبرنا كثيرا عما يحدث داخل الجسد، ويأتي الأدب ليحكي لنا عما يحدث داخل الروح.

وفي هذا الشهر حين نضع الشريط الوردي على صدورنا، أتمنى أن نتذكر امرأة تنتظر نتيجة فحص، وأخرى تخوض العلاج، وثالثة استعادت عافيتها، وعائلة تحتفظ بذكرى امرأة رحلت. فكل واحدة منهن حكاية تستحق أن تُروى، وكل حكاية تفتح نافذة للفهم والرحمة، وربما تكون أجمل هدية يقدمها الأدب لأكتوبر الوردي أن يجعلنا نصغي إلى الإنسان قبل أن نكتب عن المرض.

 

ناديا كعوش

كاتبة مهتمة بشؤون الأدب والنقد الأدبي

✨ اسأل هاشتاقات AI

اطرح سؤالاً ويجيبك من الخبر وسياقه.

⏱ قراءة 2 دقائق

المصدر: هاشتاقات

نشرها: Q8hashtagat·تحرير: هيئة تحرير هاشتاقات

مواضيع ذات صلة